أبي منصور الماتريدي

420

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فيقولون لك : مما يخوض فيه الركب إذا ساروا . وليس لنا إلى معرفة كيفية استهزائهم حاجة ، ولا مأرب سوى أن فيما ذكر لنا من خبر المنافقين تنبيها للمؤمنين وتحذيرا لهم ؛ ليحذروا إسرار ما لم يظهروا على ألسنتهم ؛ ليعلموا أن الله مطلع على ما يسرون ويضمرون . وقوله : قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ . قوله : أَ بِاللَّهِ يحتمل الإضافة إلى نفسه إضافة إلى أنفس « 1 » المؤمنين ؛ لأنه لا أحد يقصد قصد الاستهزاء بالله ، ولكنهم كانوا يستهزءون برسول الله وبالمؤمنين ؛ فأضاف إلى نفسه ؛ كقوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ [ البقرة : 9 ] ، وكذلك قوله : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ . . . [ محمد : 7 ] الآية ؛ فعلى ذلك الأول كانوا يستهزءون برسول الله وبالمؤمنين ، فأضاف إلى نفسه ؛ تعظيما لهم وإكراما . وقوله : وَآياتِهِ يحتمل أنهم كانوا يستهزءون بالأحكام التي لها آيات ، فاستهزءوا بتلك الأحكام ؛ فأضاف الاستهزاء إلى الآيات ؛ كقوله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا [ البقرة : 231 ] [ البقرة : 231 ] الآية . وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً [ البقرة : 231 ] ، [ هم ] « 2 » لم يتخذوا آيات الله هزوا ؛ ولكن هزوا بالأحكام التي لها آيات فأضاف الهزء إلى آياته ، ولكن من استخف بحكم من الأحكام التي لها آيات كان ذلك استخفافا بآياته ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ . أي : لا تعتذروا فإنه لا يقبل اعتذاركم ؛ لما لا عذر لكم فيما تعتذرون بعد ما قلتم إنه أذن لما ظهر منكم الخلاف والكذب في ذلك ؛ كقوله : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [ التوبة : 94 ] أخبر أنه لا نصدقهم فيما اعتذروا ؛ لما ظهر كذبهم وتبين خلافهم . وقوله : قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ . يحتمل : كفرتم في الباطن بعد ما أظهرتم باللسان . ويحتمل : قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ حقيقة قد كفروا بعد ما آمنوا . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً .

--> ( 1 ) في أ : نفس . ( 2 ) سقط في أ .